المقالات

الشهيد حجة الإسلام والمسلمين محمد مصطفوي كرماني

 

إمام جماعة مسجد سيد الشهداء

موهوب وذكي

انه ولد عام 1316 في كرمان في أسرة دينية. كان والده يمتلك دكانا في بازار قلعة وكان يعيش ببساطة. انه اجتاز دراساته الابتدائية والمتوسطة عند أسرته حيث الصفاء والفرح. ودرس حتى الصف الثامن هناك لكن قاده ضميره المطهر وحبه الذاتي إلى الذهاب إلى الحوزة العلمية ليصبح من دعاة مدرسة أهل البيت عليهم السلام واتجه عام 1333 إلى المدرسة العلمية المعصومية في كرمان ليدرس العلوم الدينية وفي فترة قصيرة عرف في المدرسة بالمواهب الفريدة بنوعها والنظم والمثابرة والذكاء واستطاع ان ينهي دراساته التي كان يجب قضاءها في 3 سنوات، في عام واحد. انه كان يقوم بتجليد الكتاب لتوفير نفقات الدراسة وكان يستلم مبلغا قليلا من تلامذة المدرسة، لقيامه بتجليد كتبهم.

في عام 1338 توجه إلى مدينة قم المقدسة للدراسة. وتعلم اللمعة على يد الأستاذ ستودة كما تعلم الرسائل والكفاية عند أساتذة كآية الله مكارم شيرازي وآية الله سلطاني ثم تمكن من الحضور في صف الخارج عند الإمام الخميني قدس سره وآية الله كلبايكاني. كما كان يصاحب الشهيد حجة الإسلام حقاني وشهيد آية الله مفتح.

في حي مكارم الأخلاق

منذ الصغر كان صاحب شخصية قوية وكان مؤدبا وحذرا عند التعامل مع الأبوين وكان منذ الصغر يحضر في مسجد آية الله صالحي ويؤدي الصلوات الثلاثة هناك. انه كان يصوم وبعد السحور كان يؤدي صلاة الصبح في المسجد ويشارك في صفوف تفسير القرآن انه كان يفكر في الأسئلة دوما كي يفهم الدرس والبحث كاملا. انه كان صبورا ومتواضعا ولا يتوقف عن العمل وكان مبتسما دائما وكان تجليا للسمات الحسنة الإسلامية ويحب العبادة والسهر والمناجاة والقيام بالمستحبات وكان في فترة الدراسة يبحث دائما عن حلول الرقي المعنوية والروحية للإنسان وكان يسال أساتذته دائما عن تلك الموضوعات. انه يرى بان على كافة الطلاب الاتصاف بالمواصفات الأخلاقية حتى تنال رضا إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف عندما يتم عرضه عليها وان لا تؤدي إلى غضب الإمام.

انه كان يقول: ان الحسنة نوعان الذاتية والظاهرية. بعض الناس جميلون ذاتيا لكن البعض يتزينون كالعروس كي يظهروا جميلين أما الحسنات تختلف عن هذا إذ كنتم جميلين ذاتيا فهذا هو المطلوب. وإذا لم تكونوا جميلين، عليكم بتزيين أنفسكم. كما كان يقول: يجب تربية الأولاد أحسن تربية كي يحفظوا من المساوئ في المجتمع.

مجاهد شجاع

منذ دخوله مدينة قم، تعرف إلى الإمام قدس سره وأهدافه وكان يدور حول محور الإمام. بما انه كان زميلا مع الشهيد حقاني وصديقا له وكان يناضل مع نظام الشاه برفقته. فمنذ بداية نهضة الإمام الخميني قدس سره عام 1342 تابع نشاطاته الدينية والسياسية بقوة وقام بنشر وطبع البيانات. وكان يقوم بالنشاط علنا ويفضح النظام والمجموعات الدينية المنحرفة في كرمان ولم يكن يخاف التعذيب والسجن. سواء في فترة النضال في مواجهة نظام الشاه أو في فترة مواجهة المجموعات المنحرفة دينيا في كرمان.

بعدما منع من اعتلاء المنابر، ترك قم واتجه نحو طهران وقام بالنضال باسم مستعار أي كرماني. لم يمر على زواجه سوى 20 يوما إذ ذهب إلى الأهواز لتبليغ الدين ولاحقه السافاك وهذا ما أدى إلى ابتعاده عن الساحة لشهرين وفي هذه الفترة لم تكن أسرته تعرف عنه شيئا إذ رجع إلى طهران بعد شهرين من الحياة في الأهواز في سرية تامة وقام في المساجد مدينة طهران بالنشاط التبليغي والتربوي والإرشادية.

انه كتب رسالة الإمام قدس سره بسرية بغية تعرف الناس على الإمام وكان يقوم بتوزيعها في المدن والقرى وفي عام 1351 و1352 بفضح النظام في مدينة كازرون ودعوة الناس إلى مواجهة الشاه.

بعد انتصار الثورة الإسلامية وبالرغم من انه كان يعمل قاضيا لفرع 14 من المحكمة المدنية الخاصة والفرع الخاص بأسر الشهداء في مؤسسة الشهيد، لكنه لم يترك العمل التوعوي وكان يأم الجماعة في مسجد سيد الشهداء الواقع في شارع هلال الأحمر ويقوم بإدارة المسجد والنشاطات الثقافية. في هذه الفترة لم يترك التدريس وكان يقوم بالتعليم في منظمة الدفاع ومنظمة الدعاية الثقافية.

نحن لم نذهب أي مكان بغية الحصول على الطعام

كان يزور الراحل آية الله مشكيني عندما كان منفيا إلى ماهان وكان يقوم بالتبليغ في "محي آباد". عندما رجع إلى قم كان يرسل إلى الناس الكتب والبيانات والكراسات وتمكن من إنشاء مكتبة في القرية تتضمن ما يقارب 1800 كتاب. يقول أحد أهالي القرية وهو السيد علي خان بور محي آبادي: ان الشيخ كان يأتي برفقة زوجته إلى القرية وكانا يقومان بتبليغ الدين معا وبما ان العمل كان في هذا السبيل شاقا فكنت أقول لهم كأنكما منفيان إلى هنا ويقول الشيخ نحن نتناول الخبز الجاف ولا نذهب لملأ بطوننا من الطعام نحن تناولنا طعام إمام الزمن عجل الله تعالى فرجه كي نخدم دين الله تعالى.

يجب أداء حق المنبر

كانت "جوبار" إحدى الأماكن التي يحضر الكثير في منبره إذ كان هناك يباحث الفرق الصوفية والدرويشية وكان يواجههم بقوة. انه يقول: ان الأسلوب الذي تعملون به ليس أسلوبا إسلاميا مع انكم تعتقدون بانكم تتبعون الإمام علي عليه السلام لكنكم لا تعرفوا بان الإمام يرفض الأعمال التي تقومون بها. عند التعامل مع تلك الأعمال كان الدراويش والسافاك، يهددونه لكنه كان يستمر بعمله لشجاعته. ذات مرة عندما حذرته شرطة جوبار بالابتعاد عن التحدث في الجانب السياسي والاكتفاء بالحديث الديني، قال لهم بشجاعة: اننا نؤدي ما يفرضه واجبنا علينا كي نؤدي دين المنبر فعلينا أداء حق المنبر. ذات مرة وفي خطابه حماسية كان يتحدث عن خيانة الشاه للبلاد، قرر عملاء السافاك اعتقاله لكن عندما عرف أحد أصدقاءه الخبر، أخبره فهرب في لباس مزور. انه كان يفكر في إعداد تنظيم وكان يقول: لا يمكن ان لا يأتي عالم الدين إلى القرية ويجب ان يكون من أهالي القرية قد لا أستطيع ان احضر هنا دائما هذا ليس بصحيح؛ علينا تشجيع شباب القرية لكي يتجهون إلى دراسة العلوم الدينية كي يصبحوا علماء دين ويتولون الشؤون الدينية لأهالي القرية بأنفسهم.

لو لم يحضر الشباب فيجب ان نذهب عندهم

في السنوات الواقعة بين 1350 حتى 1355 قام بدراسة أحاديث الإمام علي عليه السلام في مؤسسة نهج البلاغة إلى جانب السيد دين برور وموحدي ساوجي وقام بطبع عدة كراسات في المؤسسة ووضعها في متناول أيدي الراغبين. وكان قد طرح في نهاية الكراسات عدة أسئلة وخصص جوائز لهذا العمل وكان يقول لو لم يحضر الشباب فعلينا ان نذهب عندهم ونرسل هذه الآثار إلى بيوتهم انه كان باحثا قديرا وكاتبا ماهرا وكان يرى بأنه الكتابة لابد ان تكون سهلة كي لا تصبح صعبة للشباب.

هنا مكان آخر

يقول شقيقه: كان يدعونا بعض الأحيان إلى غرفته وانني كنت أبقى هناك بعض الليالي وعندما كان يستيقظ لصلاة الليل وبما كان يعرف باني ارغب في أداء صلاة الليل، فكان يوقظني. كان يعلمنا صلاة الليل وكنا نؤدي الصلاة إلى جانبه وكان يغرق في العبادة والتهجد، بحيث لم كنت أستطيع مواصلة الصلاة مثله. في حرم أهل البيت عليهم السلام كان غارقا في الحضور. عندما ذهبنا إلى كربلاء قررنا بعد الزيارة والعزاء ان نخرج من الحرم. لكنه قال: يا أخي متى يصبح من نصيبنا العودة إلى هنا ومتى تقودنا الرياح للحضور هنا؟ هنا مكان آخر. اننا خرجنا من الحرم لكنه استمر في الصلاة والعبادة لساعات.

خلف الاشارة الحمراء

انه كان يكره التبذير سواء في المياه أو الطعام أو الوقت على سبيل المثال عندما يواجه في السير الاشارة الحمراء كان يطفئ السيارة ويطالع كتابا لعدة دقائق ويقول انني قرأت عدة سطور من الكتاب وربما استوعبت شيئا منه لكن كان الآخرون يتذمرون بانه لماذا لا تصبح الشارة حمراء؟ لكنني أسير بهدوء وهم يسيرون بغضب.

لا أريد العيش في هذه الظروف

تقول زوجته انه كان يرى بانه يجب ان نستفيد من سهم الإمام بشكل قليل وعند الحاجة فقط. لان الناس تعبوا كثيرا ودفعوا خمس أموالهم وكان قانعا في الأعمال الأخرى التي كان يؤديها وكان يقول: انني أستطيع ان احصل على أموال كثيرة بواسطة الكتابة والامتثال لأوامر السافاك لكنني لا أريد العيش في هذه الظروف إذا كان بإمكانكم مساعدتي في هذا السبيل فأدعو ربي لكم. ان كان معلما للأخلاق وانني لم اسمع منه كذبة واحدة طوال حياتي كان يبدي حساسية خاصة تجاه الغيبة أو الكلام الذي يذكر اسم الآخرين فيه وكان يعارض الحديث عن الأشخاص الذي يعارضون الإمام. في ليلة قبل الاستشهاد كان يذكر الله تعالى بسبحته الصغيرة لكن دار وجهه نحوي وسط التسبيح وقال: أعزاءي انني الآن اذهب إلى الجبهة وأريد ان أوصيكم بان الشيطان يمكنه ان يتغلغل بيننا عبر هذا الطريق ونحن لا نفترق ذنوب كالقتل والنهب والشرب حتى يستطيع ان يتغلغل بيننا الشيطان فيجب ان نكون نراقب حديثنا وان لا نغتاب بل يجب اتخاذ الدقة في الحديث الذي نتفوه به. ثم رفع سبحته وقال قسما بالله اننا مسئولون أمام الله تعالى في الآخرة عن أي كلمة تصدر منا فاحذروا ان تقولوا كلمة يرضى الله تعالى منا.

اصلاح البنات يعني اصلاح المجتمع

تقول زوجة الشهيد انه كان يرى بان إذا أصلحت البنات والنساء في المجتمع، يصلح المجتمع، على هذا كان يبذل مساعي كبيرة في تربية البنات. وبالتحديد بعد انتصار الثورة كان يقوم بالاستشارة في المدارس ويلقي محاضرات كان آنذاك يقول البعض يجب منع البنات من دخول الجامعة لكنه كان يقول: يجب ان تتطور البنات كذلك وان تمتلك الحق في المجتمع عار علينا ان تبقى النساء في الجهل بعد الثورة عار علينا ان يأتي الرجال بعد الثورة ويدرسون في مدارس البنات، بينما تمتلك النساء القوة والعلم للقيام بهذا العمل. انه كان يقوم بالتثقيف في هذا المجال كذلك من خلال المحاضرات.

لو كان باستطاعتي فلم أنام

قال أحد ما ان الراتب الذي تستلمه لا يساوي الفترة التي تؤدي فيها العمل. قال انني كنت أتمنى يوما ما ان أتفوه باسم الإمام بحرية. فالآن انا اتحدث بحرية في التلفاز وينتشر اسمه في كافة أنحاء العالم انني اعشق الإمام والثورة ولو كنت لا أنام 6 ساعات واخدم الإسلام لفعلت واحمد ربي بانه جعلني حيا كي اخدم الثورة كان يقول دائما إلهي اجعلني شهيدا في سبيلك.

لم أغلق باب المحكمة

انه كان يشعر بالمسئولية وعلى هذا كان يحضر في المحكمة قبل بداية الوقت الإداري وكان يترك العمل بعد الانتهاء من الوقت الإداري. عندما يقال بانه عليك العمل لـ 8 ساعات، كان يقول انني لم أغلق باب المحكمة لأنني أقوم بعمل الناس لرضاء الناس. وكان يتحدث مع الناس بحيث إذا دخل شخص ما بغضب إلى غرفته، فانه يخرج بهدوء منه. كان يتلو آية من القرآن ويقرا الروايات وكان يقوم بنصيحة الآخرين ولا يسمح بتدمير حياتهم وحتى لو يكن الحق بجانب الشخص في المحكمة، فانه لا يكتفي بإصدار الحكم وكان يقنعه بكلمات مرنة بان ليس له الحق وفقا للشرع والقانون.

في حسرة الشهادة

تقول زوجة الشهيد عندما قاموا بنفجير حزب الجمهورية الإسلامية، كان من المقرر ان يذهب إلى هناك لكن كان لدينا ضيف ولم يتمكن من الذهاب. عندما سمع خبر الانفجار اتجه نحو مكتب الحزب وشاهد الحادثة عن كثب انه كان حزينا تلك الأيام وكان يبكي دائما ويقول: أصدقائي نحن كنا معا لسنوات فماذا تركتموني وحيدا وذهبتم؟

يقول ابن الشهيد: قال في يوم استشهاده إلى شخص ما في السيارة التي كانت تقله إلى المطار: لو استشهدت، قل لهم رؤيتي في المنام: شاهدت في المنام ليلتين سابقتين بان هناك مجلس يسمى مجلس فاطمة الزهراء عليها السلام وأنها حاضرة في المجلس أردت طلب الإذن من السيدة فاطمة الزهراء للدخول قيل إذن لكم. انني دخلت وأديت الاحترام وقبلت حجابها قالت يا محمد لا تقلق أنك تأتي نحونا في هذه الأيام. عندما ركبنا الطائرة أعلن الطيار: الطائرة لا تستطيع الطيران لأنها تحمل عشرة أشخاص أكثر من حجمها ولا يمكننا الطيران. فنزل الشيخ برفقة 9 آخرين لكن بعد لحظات جاء آية الله محلاتي وقال يعاني أحد ما من الم شديد ونزل من الطائرة تعال وكن بجانبنا يا سيد كرماني كان يجب ان تأتي في هذه الطائرة وفتح لكم المجال.

ان هذا العالم المناضل استشهد في الأول من اسفند عام 1364 عندما كان راكبا في الطائرة إلى جانب عدد من العلماء والمناضلين الثوريين بينما كان متجها إلى جبهات الحق في مواجهة الباطل تعرض إلى هجوم الطائرات العراقية.

قائمة مراجعة وتحرير

شخصيات تركت: 500
التعليق مطلوب